Home

لدي قناعة شخصية بأن الكويت إن كانت قد تباطأت مسيرة مؤسساتها، فإن مجتمعها مازال ينبض بالحيوية وروح العطاء في شتى مناحي الحياة. وهذا الوضع قد خلق في المجتمع حالة من الاحباط والزعزعة في الثقة تجاه أكثر الجهود الحكومية والقائمين عليها، وهذا بالطبع لم يأت من فراغ وإنما من سلسلة أحداث وتجاذبات سياسية وقع ضحيتها المواطن الذي ينشد التنمية واستعادة مكانة وطنه في محيطها الخليجي والعربي (حلّت الكويت في المرتبة الأخيرة خليجياً في ضعف ثقة المواطن بالسياسيين وفق تقرير التنافسية للمنتدى الاقتصادي العالمي). وفي مقابل ذلك، بتنا نلاحظ أن الشعب الكويتي اليوم يفخر بمنجزات وقدرات أفراده أكثر من خطط ومسؤولي المؤسسات الحكومية. وهنا حديثي عن الحكومة كجهاز تنفيذي مناط به تقديم خدمات للمجتمع بعيداً عن الدور السياسي الذي تمارسه مع البرلمان أو غيره.

والحل؟ كيف تتصرّف الحكومة مع هذه الحالة لاستعادة ثقة الرأي العام بخططها ومسؤوليها؟

سأجيب على الموضوع من منظور مهني مرتبط بالاتصال الحكومي لكون الموضوع متشعّب سياسياً وإدارياً ومجتمعياً. فالجهات الحكومية إن أرادت إعادة تشكيل الصورة الذهنية عنها، وبناء الثقة على مر الزمن، فالبداية تكون من خلال التواصل مع الرأي العام بلغته، ألا وهي لغة الاحتفاء بالأفراد ومنجزاتهم. ولتوضيح الفكرة أكثر، فالحكومة تحتاج أن “تصنع نجوماً” من مسؤوليها وأفرادها ممن يستطيع الإنجاز ضمن نطاقه الضيق ويحظى بالقبول والموثوقية من المجتمع. وهذه الممارسة تطبق في القطاع الخاص على صعيد الشركات الكبرى خصوصاً التي تمر بأحداث وتغيرات واسعة. وتهدف تقنيات صناعة النجومية إلى تعزيز مكانة الشخصية الرسمية والترويج لها كشخصية ذات خبرة وموثوقية في مجالها، وتسمى هذه التقنيات في مجال الاتصال بـ “CEO Positioning”. وهذا التوجه نراه جلياً في مسيرة ريتشارد برانسون وإمبراطورية “فيرجن”، والراحل ستيف جوبز و “أبل” ، وعلى صعيد خليجي- حكومي فيحضرني مثال الراحل د.غازي القصيبي ود. توفيق الربيعة من السعودية، ومعالي محمد القرقاوي وخلدون المبارك من الإمارات.

ولو أردنا أخذ أمثلة واقعية في الكويت (كملاحظة شخصية عامة وليس دراسة علمية) سنجد بأن المجتمع اليوم “يثق” و”يحب”  شخصيات برزت في مجالاتها، منها على سبيل المثال لا الحصر: في الفلك العم صالح العجيري، والفن عبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج، والغناء عبدالله الرويشد ونوال، والتلاوة مشاري العفاسي وفهد الكندري، والتجارة الشايع والغنام، والرياضة فهيد الديحاني وعبدالله الرشيدي، والعمل الخيري عبدالرحمن السميط..والقائمة لا تنتهي. طبعاً هذا إلى  جانب الانتشار والتأثير الواضح لمشاهير ومؤثري التواصل الاجتماعي من مختلف التخصصات والخلفيات.

إن القبول الاجتماعي والثقة التي نجحت الأمثلة أعلاه والمئات غيرهم في كسبها من المجتمع ليست بالمهمة المستحيلة إذا ما رأينا مكوناتها من منطلق مهني كما ذكرت سابقاً. فالمجتمع الكويتي بات أكثر تقبلاً وثقة بالأفراد والشخصيات ذوي الاختصاص والإنجاز (وفقاً لملاحظة نبرة الحديث عنهم)، وهو ما تحتاج حكومتنا للبناء عليه بشكل مدروس.

والسؤال الآن، كيف يمكن لحكومة الكويت استعادة الثقة وبناء صورة إيجابية لخططها وقياديها وفق معطيات الأفراد؟

أود تلخيص الإجابة بـ5 نقاط أساسية:

  • البحث: إن أي برنامج تواصل مجتمعي ينبغي أن يبدأ ببحث ودراسة معمقة لفهم حاجات المجتمع بشكل أكبر وعلمي 
  • الإنجاز: لا بد من تركيز الجهود لتحقيق إنجازات صغيرة نسبياً وسريعة ومتتالية Quick wins، فالنجومية والثقة المكتسبة منها هما نتيجة لإنجاز فعلي على أرض الواقع
  • صناعة النجوم: نحتاج أن نبني نجوما معروفين بأشكالهم ومنجزاتهم على شكل فرق عمل أو مسؤولين من مختلف الجهات الحكومية التي تهم خدماتها المواطن ويسهل فيها رؤية التغيير والإنجاز (مثل الجهات المعنية بالتجارة والمشاريع الصغيرة..وغيرها)
  • استراتيجية التواصل: من المهم أن لا يكون التواصل حول دراسات وخطط على ورق، وإنما لأمور ملموسة مثل التشريعات، الخدمات، المبادرات، قصص النجاح، التسهيلات الحكومية، النتائج الإيجابية لقرارات حكومية سابقة مثل خفض النفقات أو رفع نصنيف الدولة في مؤشرات التنافسية العالمية أو غيرها
  • أهداف التواصل: بناء نماذج إيجابية وموثوقة وملهمة نتيجة لما تقدمه من معلومة وقرار وجهد نحو الإنجاز (وليس الهدف تسويق أشخاص لذواتهم)
  • القياس: النجاح مسألة نسبية ومرتبطة بتحقيق الأهداف، ومن هنا علينا إجراء دراسات ومسوحات لمعرفة مدى تأثير النجوم، ومدى إنعكاس ذلك إيجاباً على صورة الحكومة 

ختاماً، إن صناعة النجومية توجه يهدف لمخاطبة المجتمع بلغته ألا وهي الثقة بالأفراد وإبراز وجوهاً يحترمها للإنجازات التي يراها، وهو أسلوب برأيي المتواضع سيردم الفجوة التي أحدثتها التجاذبات السياسية بحيث جعلت المواطن رقيباً و”نداً” للحكومة، بدل أن يكون مواطناً “يستفيد” من خدمات الحكومة ويقدّر جهودها التي تصب في تنمية وطنه التي يحب. كما أن نجاح النجوم بأداء أدوارهم سيخلق روحاً إيجابية، وحراكاً مجتمعياً يحتفي بالإنجاز وبجهود التنمية التي كان أفراد المجتمع هم أبطاله.

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s