Home

في هذا الكون الفسيح نرى أمامنا عشرات الشواهد على إصرار الإنسان على تطويع الطبيعة لخدمة البشرية، وهي ممارسة أزلية عرفها الإنسان الأول منذ سنوات وقرون طويلة. تخيلو معي للحظة لو لم يفكر أحد  بأخذ المبادرة في تغيير الواقع فكيف سيكون حالنا اليوم؟ وأعني بذلك تشييد الطرق لتسهيل التنقل، واستثمار موارد الطبيعة في بناء المساكن والمدن، أو حتى اختراع لغة للتواصل مع بني البشر..جميع هذه الأمور وغيرها الكثير كانت في يوم من الأيام مشاكل ومعاناة عاشها الناس حتى بادر أحدهم بإبتكار حل من رحم هذه المعاناة، ليعيش الناس بعدها حياة أسهل وأفضل..

ما كان يحمله ذلك الصنف المبادر من البشر هو ما يسمى اليوم بالتفكير الريادي “Entrepreneurial thinking” وهو أصل وجودنا كبشر، وهو صفة ملازمة لبني البشر كما تعلمنا شواهد التاريخ. وقد بنيت هذا الرأي في النظر ببعض الدروس الريادية التي تستحق التأمل..وسأتناول بعضها في هذه التدوينة بإذن الله..

أولاً- تهيئة البيئة

خلق الله سبحانه الكون من العدم، ثم وعد بتسخير كل مافيه لخدمة البشرية، وفي ذلك وقفة..وهو أن المعنى من تسخير الكون أن كل تضاريسه وأجواءه وجغرافيته هي لخدمتنا نحن بني البشر(Ecosystem). وقد ذكرسبحانه في محكم آياته هذا التسخير في مواضع كثيرة (مع اختلاف تفاسيرها وسياقها)، منها:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة: 164]

(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) [لقمان : 20]

(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الجاثية : 13]

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)[البقرة : 22]

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )[البقرة : 29].

ثانياً- الرسالة:

بعد وعد التسخير جاء الأمر الآلهي بعمارة الأرض والعمل على الاستفادة من هذا الكون وخيراته، ولا يعني ذلك بالعمران والبناء فحسب بل بتطويع كل ما يجعل هذا الكون مكاناً أفضل لبني البشر..وحين أقول الكون فأنا أعني الأرض بجبالها ووديانها، والسماوات بفضاءها، والبحر بمياهه وخيراته(mission)..

وأخيراً- الرؤية:

وهي مطمح كل مبادر يرجو من وراء عمله الجزاء الطيب مهما كان شكل هذا المردود. وسنة الله في هذه الدنيا أن تكوت عاقبة العمل الطيب دائماً خيراً لجميع البشر.

وبالنظر إلى ما سبق، يبدو جلياً أن الروح الريادية فطرة قد جُبلت البشرية عليها. وأن البيئة مهيئة لممارسة هذا الدور الريادي بموجب وعد ودعم رباني! فهل هناك من يظن أن هنالك عوائق “حقيقية” تمنعه من ممارسة دوره الفطري؟

إن الريادة لا تعني العمل التجاري فحسب، بل تعني تحقيق الأسبقية بروح صلبة، وإضافة قيمة حقيقة لمن حولنا رغم المخاطرة التي تشوب التجربة في أي مجال كانت.

زرت منذ فترة المالديف، لأشاهد دولة تتكون من ١٩٠٢ جزيرة، لا يشكل المأهول منها أكثر من ٢٠٠ جزيرة مشتتة! ماهو مبهر في ذلك هو كيف تعايش الناس في ذلك المكان باختراع مساكن ووسائل مواصلات ومنظومة سياحية متكاملة تلائم طبيعتهم الجغرافية. إنها ببساطة طبيعة البشر الريادية التي تبتكر أفضل السبل للعيش.

تعالوا نتأمل بعض الاختراعات التي غيّرت حياة البشرية نحو الأفضل، وكيف كانت العوائق لمخترعيها: الكهرباء، المال، الهاتف، السيارة، الطائرة، البيت، التلفزيون، الانترنت..

وهناك أمور أخرى تبدو صغيرة لكنها عظيمة الأثر: البرغي/المسمار، النظارة الطبية/ الشمسية، اللمبة، دورة المياه، الحذاء..الخ

القائمة تطول، لكن ما يهمنا منها هو التفكر في ظهورها وأثرها..فهي أفكار آمن بتنفيذها نَفَر قليل على الواقع ثم ساهمت الأجيال من بعدهم في تطويرها وتحسينها لخدمة البشرية جمعاء..

قد تبدو بعض الاختراعات معروفة المصدر، والبعض الآخر لا، ولكن أثرها لا يمكن إنكاره. وأكثر ما يثير إعجابي واستغرابي في ذات الآن هو اختراع “البرغي”..قطعة حديدية صغيرة تدخل في صناعة كل شي تقريباً ولا نعرف صاحبها!

مرة أخرى، قد يكون من المجدي أن ننظر في فطرتنا الريادية ورسالتنا التي جئنا من أجلها..وهي عمارة الكون الذي سخّره الله لنا..فماذا نحن فاعلون؟

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s