Home
في عمر المراهقة، كان يتردّد علينا في شاليه شباب العائلة شاب عربي مقيم في الكويت. هذا الشاب سأسميه مجازاً “مصطفى” حفاظاً على خصوصيته..كان مصطفى جميل المعشر، اجتماعي، متفهم لطبائع المجتمع الكويتي بحكم مولده ومسكنه لذلك كانت علاقاته ممتدة. ما كان يعاب على مصطفى أنه كان شاذاّ جنسياً، وأعني بذلك أنه كان يستمتع بالتعرض للشباب لإفراغ شهوته..بداية كنا كمراهقين نضحك من مواقفه الغرامية ولكننا سرعان ما بدأنا نتألم من سوء صنيعنا في عدم ردعه وإرشاده للعلاج من سلوكياته المرضية..سمعت بعد فترة أن أهله زوجوه قسراً بإبنة عمه القاصرة ليتوب، فخانها مع مراهقين! وبعدها تم سجنه على إثر مشاجرة، فلم يتوقف عن صنيعته..اليوم نسي الناس صنيع مصطفى، ولكنهم لم ينسوا ضحاياه..فهم في نظر المجتمع ناقصي رجولة!

شاب آخر درس معنا في الإمارات وعرفت منه قصته والتي سأنشرها قبل أن يغير رأيه بالسماح لي بالكتابة، سأسميه مجازاً “فيصل”، كان والداه ملتزمين دينياً لذلك كان يحاولان إحاطته بصحبة صالحة تحميه من الانحراف. وبطبيعة الحال، لم تكن الثقافة الجنسية محل تداول لا بالتصريح ولا بالتلميح في البيت..صديقنا فيصل تعرض لموقف غريب حين كان عمره 11 عاماً حين كان معتكفاً في رمضان في مسجد فحاول الحارس استدراجه دون جدوى، ثم بعدها انضم لنادي صيفي فتعرّض له شباب يكبرونه سناً بالكلام بشكل متكرر..وجميع هذه المواقف سلّمه الله منها ولم يمسسه أحد بشر، ولكنها انحفرت في ذاكرته حتى أيام الدراسة الجامعية..

هذه المواقف وغيرها استذكرتني حين شاهدت منذ فترة قصيرة بالصدفة حساب أحد زملاء الدراسة على الانستغرام ممن كان يُضطهد جنسياً وقد أصبح اليوم مدرباً شهيراً في الفنون القتالية واللياقة البدنية. بصراحة لم أقتنع بما رأيت وأنا أقلب الصور وأقارنها بما كنت أسمع عنه قبل ما يزيد عن حوالي 16 سنة رغم سطحية معرفتي به..ومن هذا الموقف وما سبق ذكره فكرت في موضوع هذه التدوينة للتناول من منظور اتصالي أي كيف يمكن للمضطهدين التعامل مع مواقف قد تضر بسمعتهم على مدى عشرات السنين..

باديء ذي بدء، إن الثقافة الجنسية مظلومة في مجتمعاتنا المحافظة بطريقة جعلت أهم منافذ تعلمها في عمر المراهقة بين الشباب هو 3 مصادر رئيسية تقريباً هي: الأصدقاء، والإعلام، والانترنت (وما يشابهها من مصادر البحث الذاتي)، وبالتالي فإن نسبة تلقي المفاهيم والممارسات بطريقة غير سوية مرتفعة إلى حد ما. ولو أخذنا المواقف المذكورة آنفاً لفيصل ومصطفى والمدرب وغيرهم الكثير ممن قد تتشابه قصصهم فسنجد أن أكثر الأسباب تربوية في الغالب، وقد تناوله أهل الاختصاص بالتفسير والتأصيل العلمي، وأريد هنا أن أتناوله من مجال تخصصي واهتمامي وهو علم الاتصال والعلاقات العامة وما يرتبط بهما من مواضيع في بناء وإدارة السمعة إلى جانب العلاج لذلك.

في الحقيقة أني بدأت كتابة هذه التدوينة منذ أكثر من عام من زاوية مختلفة إلا وأني حفظتها كالعديد من المواضيع غيرها لعدم وضوح الرسالة فيها. إلا وأنه اليوم ومع استحضار هذه المواقف وردة فعلي اللاشعورية على تصنيف الناس وجدته لزاماً عرض الموضوع كي نعالجه بين أنفسنا ونرى كم نحن نتسرع في إصدار الأحكام على الناس من حولنا، ولربما كنا ظلماً ظانين بهم بغير وجه حق.

ومن المفارقة أني أكتب هذه التدوينة أثناء تناولي لمشروب “الكرك” الجديد الذي تبيعه مقاهي ستاربكس في الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع الإعلامية الشهيرة “أوبرا وينفري” لأغراض خيرية..هذه الإعلامية التي جعلت من مسيرتها مثالاً لكثير من النساء والإعلاميات، كما أنها قد أسهمت في برنامجها التلفزيوني إلى جانب مبادراتها المجتمعية العديدة في تغيير حياة آلاف الناس نحو الأفضل..

والمفارقة تكمن في كون “أوبرا” ضحية للاعتداء والاضطهاد الجنسي في طفولتها ولكن ما يميزها أنها تحلّت بالشجاعة الكافية للتصريح بذلك ومواجهة هذه القضية..وذلك على الرغم من الألم الذي تركها في نفسها هذا الأمر، وقرارها بعدم الإنجاب نظراً لعدم رغبتها في أن يعيش أطفالها في عالم كالذي نعيش فيه!

وختاماً، دعونا نرى بعين الانصاف للضحايا فلا نستعجلهم بالأحكام والتصنيف والنبذ الاجتماعي، ولنحاسب في المقابل المعتدين بالردع الاجتماعي والاستنكار لتصرفاتهم، فليس كل الضحايا على شاكلة “أوبرا”!

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s