Home

علمي أم أدبي؟ إجابة هذا السؤال البسيط ينطلي وراءه قرار مصيري نتخذه في مراهقتنا قبل أن تتسع آفاقنا وتتضح أهدافنا، ومع ذلك  قد يرسم ملامح مسيرتنا الأكاديمية والمهنية على مدى أكثر من 30 أو 40 سنة قادمة!

سألت نفس هذا السؤال لشخص قد أجاب علىه قبل أكثر من 35 سنة..واليوم يروي نتيجة اتخاذه لهذا القرار بعد تراكم التجارب والخبرات!

تابعوا تفاصيل الحوار الخاص مع والدي حفظه الله بمناسبة ذكرى تقاعده الأولى التي صادفت اليوم 17 يناير 2014:)

س:  بما أن الوظيفة ترتبط بالدراسة إلى حد كبير، فبماذا كنت تفكر أو تخطط  حين غيرّت تخصصك في المرحلة الثانوية من الأدبي إلى العلمي؟

ج: لن أكشف سراً إن قلت بأن ميولي كانت ومازلت أدبية، وقراري في تغيير التخصص إلى العلمي في مرحلة الثانوية كان لدواعي التوجه العام في فترة السبعينات في الكويت، حيث كان ينظر لهذا التخصص بشئ من الاحترام والجدية مقارنة بنظيره الأدبي. كما أن مستقبل هذا التخصص كان يؤدي إلى كلية الطب أو الهندسة وهي خيارات تستحق العناء، أضف لذلك من قد ساهم في غرس هذه الصور النمطية وهم معلمينا الأفاضل العرب من الأخوة الفلسطينيين والمصريين ممن كانوا من أبرز المعلمين في التخصصات العلمية خلال تلك الفترة. إذن فالدافع ضغط الأصدقاء والمعلمين بشكل خاص فضلاً عن نظرة المجتمع  في ذلك الحين.

كما لا يفوتني الإشارة إلى ضرورة إعادة النظر في نظامنا التعليمي اليوم، والذي بات يحصر مستقبل الإنسان واختياراته الأكاديمية والمهنية في مجالين فقط!

س: درست الهندسة في الغربة في نهاية السبعينيات..حدّثنا عن هذه التجربة بصعوباتها مقارنة باليوم؟

ج:  ليس هناك مجال للمقارنة  من حيث أساليب الدراسة وثورة المعلومات ووسائل الاتصالات وغيرها. لكن ما يمكنني ذكره في هذا السياق، أن تغييري للتخصص العلمي في وقت متأخر قد أضاف علي عبئاً أمام أهلي كي أثبت بأنه قد جاء من رغبة شخصية وليس مسايرة لأحد. ومن ذلك الدافع تفوقت بفضل الله، ومُنحت مقعدين في كليتي الطب والهندسة بجامعة الكويت، إلا وأني قررت رفض كلتا الفرصتين. وبعد ذلك اتخذت قرار دراسة الهندسة الميكانيكية في الولايات المتحدة الأمريكية بناء عل توصية صديق!

ومما لا شك فيه أن تجربة الغربة كانت تحدي جديد لي كخريج نظام تعليمي حكومي، ولكنه تحدي وفقني الله من خلاله لإنهاء متطلبات التخرج في الهندسة خلال أقل من 4 سنوات رغم تواضع اللغة وظروف الزواج.  ولا أنكر فضل دراسة الهندسة في تكريس الفكر المنظم والمنطق في طريقة تفكيري، وهو ما أمارسه في حياتي العامة من خلال عدم الأخذ بالمسلّمات والموروثات دون تمحيص.

س: ومن بعد الدراسة..كيف كانت بداياتك مع الحياة الوظيفية؟

ج: عملت بداية في  شركة النقل العام بناء على توصية صديق أيضاً..ولم تستمر تجربتي أكثر من 8 أشهر بعد شعوري بصدمة من الواقع بين نوع الدراسة التي تلقيتها وطبيعة العمل آنذاك..فكانت محطتي الثانية والأخيرة مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية التي انضممت لها بناء على توصية قريب. وبين هاتين الوظيفتين فكرت باستكمال دراساتي العليا في الغربة إلا وأن ظروفي العائلية حالت دون ذلك.

س: ألم تفكر خلال عملك الحكومي بإيجاد مصادر أخرى للدخل؟

ج: بكل تأكيد فقد أنشأت وشاركت في مشاريع خاصة صغيرة ولكنها لم تستمر. وأظن بأني وجدت قدرتي على دراسة وتحليل الاستثمارات أكثر أماناً وملائمة لي على المستوى الشخصي، فمنها بدأت الادخار والاستثمار على قدر المستطاع في الأسهم والودائع والصناديق الاستثمارية.

س: ذكرت بداية بأن ميولك أدبية ولكنك اتجهت نحو المجالات العلمية..فهل هناك أي نقاط تقاطع مشتركة بين الجانبين؟

ج: أبداً. وفي الحقيقة، ما زالت ميولي وشغفي نحو الأمور الإدارية والفكرية والتنموية تستحوذ على معظم قراءاتي واهتماماتي، إلا وأني لم أمارسها بشكل عملي أو عام حتى الآن.

س: بالنظر لمسيرتك الدراسية والمهنية لأكثر من 35 سنة مضت، ما هي القرارات التي تود إعادة النظر فيها لو عاد بك الزمن؟

ج: استكمال الدراسات العليا والاتجاه نحو التدريس الأكاديمي في الجامعات في أحد العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهذا القرار يسبقه قرار التخصص الأدبي في المرحة الثانوية طبعاً!

س: قرار التقاعد في سن لم يتجاوز الـ 53 عاماً، ألا تراه مبكراً مقارنة بالوضع العام ؟ وبماذا تفكر للمرحلة القادمة؟

ج: قراري كان دافعه الأساسي إنقطاع الإضافة المهنية بنظري من الجانبين، مني شخصياً ومن جهة العمل. فضلاً عن فرصة أتاحتها الشركة الحكومية لقدامى موظفيها في ظل الخطط المرسومة لها نحو الخصخصة. وهو قرار أراه مناسباً من جانب،  ودافعاً من جانب آخر للتركيز على آلية تفعيل ميولي واهتماماتي الشخصية ضمن نطاق مؤسسي أطمح لأن يرى النور قريباً بإذن الله.

س: ختاماً، هل من نصائح أو إضافات تود مشاركتها هنا لمن ينتفع منها؟

ج: لعلي ألخص أهم الدروس المستفادة من التفاصيل المذكورة أعلاه أو غيرها بالآتي:

  1. في القرارات المصيرية، لا تعطي اهتماماً كبيراً لآراء الأقران، وخصوصاً في مجالي الدراسة والعمل، فالاستعانة بالإرشاد الأكاديمي والمهني من المختصين أو ذوي الخبرات تكون أعمق وأكثر شمولية.
  2. من الأهمية بمكان تنويع مصادر الدخل وعدم الركون للدخل الثابت من الوظيفة الحكومية بقدر المستطاع وضمن الإمكانيات المتاحة.
  3. إعطاء الميول والاهتمامات الشخصية جانباً مهماً وعملياً في الحياة، وعدم الإنشغال عنها بأمور تحظى باهتمام غيرنا وخصوصاً في الدراسة والعمل.
  4. تجاوزا الخطوط الحمراء!  وهي كثيرة بالمناسبة في مجتمعانا العربية، ولا أعني بذلك الفوضى بقدر ما أدعو لإعادة النظر بها وتمحيصها لأن كثير منها كان سبباً في تحجيم الإبداع لدينا أو في خلق فهم قاصر لمسائل علمية ودينية واجتماعية وغيرها

– انتهى-

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s