Home

عقب كل أزمة يتعلم العالم خبرة جديدة من رحم المعاناة التي مر بها البشر، بحيث تصبح تلك الأحداث منعطفات تاريخية مفصلية في حياة الأمم والشعوب.

فمن رحم الحروب العالمية والأزمات المالية خرجت لنا فكرة إنشاء منظمة الأمم المتحدة والبنك الدولي ومؤسساتهما التابعة. ومن بعد أزمة الحكم والانتداب البريطاني في الكويت ظهرت فكرة الدستور عام 1962.. ومن صميم الأزمة المالية العالمية الأخيرة بزغت فكرة ” الاستهلاك التعاوني/الجماعي” أو ما تعرف بـ “Collaborative Consumption”..والمفهوم الأخير هو موضوع هذه التدوينة بإذن الله..

وحول هذا الموضوع، أذكر بأني في رمضان الماضي قد التقيت بمستشارة تربوية لإعداد منهج تعليمي في الثقافة المالية للأطفال والمراهقين، وقد قدمت المستشارة في هذا المنهج عدداً من الأفكار المبتكرة، والبعض الآخر لم أجده مناسباً لبيئتنا المحلية. ولكن ما لفتني في مقترحاتها وجود بعض الأفكار ذات جذور راسخة في ثقافتنا وديننا الحنيف، والتي باتت تحظى باهتمام عالمي المستوى..مثل “الاستهلاك التعاوني”.

مفهوم “الاستهلاك التعاوني” يقوم باختصار على فكرة العودة للعادات الأصيلة التي عرفها الناس في التعامل مع مواردهم، حين كان استخدام الشخص للموارد بكافة أنواعها قائم على حس المسؤولية، وحب المشاركة مع البشر من حوله. إن نمط حياتنا السائد وخصوصاً في دول الخليج قد فرض علينا واقعاً استهلاكياً جعل من حب التملّك أساساً للعيش..فبدءً من غرف النوم المستقلة في عمر المراهقة، إلى السيارة الخاصة بعد التخرج، ومن ثم المنزل الخاص بعد الزواج..وكل ذلك دون أن نتساءل يوماً: وهل نحن بحاجة فعلاً لكل ذلك أم هي العادات التي فرضت نفسها علينا؟

إن “الاستهلاك التعاوني” يعني أن نتعامل مع أموالنا وأوقاتنا ومهاراتنا وممتلكاتنا بطريقة تسمح للآخرين مشاركتنا بها في الوقت الذي لا نحتاجه فيه! والسؤال الذي يتبادر بكل قوة: وهل هناك أموال أو أوقات أو مهارات أو ممتلكات شخصية لا نحتاجها في وقت ما؟! والجواب بكل بساطة: نعم.

وتفصيلاً لإجابة السؤال أعلاه، فإن “الاستهلاك التعاوني” يدعو إلى إحياء فكرة المقايضة مثلاً، فكم واحد منا يشاهد فيلم الـDVD، أو يقرأ رواية أكثر من مرة؟ فماذا سيحدث لو تم توظيف وسائل التواصل المجتمعي والمنصات الإلكترونية لتحقيق هذا التزاوج بين الحاجة والطلب للمستخدمين حول العالم؟ وبشكل مؤسسي محترف بعيد عن الجهود الفردية والعشوائية.

ووفقاً لنفس المفهوم أعلاه، فمن الممكن تطبيق فكرة تقاسم ملكية العقار بحيث لا يكون مهماً لشخص واحد تملّك السكن لوحده، وهو معروف باسم “Time Share”. وكذلك الحال مع السيارة، فمن الممكن أن يطرح الشخص سيارته لاستخدام غيره في حال عدم حاجته لها وفق نظام محترف، كما من الممكن تطبيق الفكرة بشكل آخر على غرار فكرة “Zip Car” والتي تتيح لك تأجير السيارة أينما وجدتها في الشارع، ومن ثم تركها في مكانها لمن بعدك! يعني باختصار “الجيب واحد”، والمهم أن نجد طرق مبتكرة تناسب ثقافتنا ونمط حياتنا لنتشارك ونتبادل ما لدينا دون الحاجة للشراء أو التملّك.

ولعله من الطريف ذكره، بأن الكندية “ريتشل بوتسمان” حين كشفت عن هذا المفهوم عبر مؤتمر “تيد” الشهير في 2010، لم تكن تتوقع بأن فكرتها قابلة للتطور والانتشار. بل وذكرت بأنها عادات قديمة نحتاج فقط لإعادة إحياءها مع ثورة وسائل التواصل المجتمعي وغيرها من المنصات الإلكترونية. “ريتشل” ترى بأن “الاستهلاك التعاوني” يساعد على كسر حب التملّك لدى الناس، وعلى تعزيز روح التعاون والتكافل بين الناس، ناهيك عن تخفيض الكلفة المادية على الناس، وتقليل البصمة الكربونية على البيئة.

وختاماً كما ذكرت في البداية، هو عبارة عن محاولة للتعامل مع آثار الأزمة بشكل مختلف وأكثر إيجابية بوصفها أزمة مفصلية غيّرت بلا شك نمط الحياة والأنظمة السياسية حول العالم. وهكذا هي ميزة البشرية مقارنة بغيرها، تتعامل مع مشاكلها بحلول مستدامة أو جهود مؤسسية لضمان معالجتها بشكل جذري وتحقيق حياة أبسط وأسهل لمن يعيش من بعدهم.

وتحضرني بعض المصادر في هذا الموضوع لمن أراد الاستزادة، منها كتاب لـ”ريتشل بوتسمان” في هذا الشأن يحمل نفس العنوان، ويسعدني سماع مشاهداتكم وأمنياتكم  لهذا المفهوم في بلدانكم؟

One thought on “المشروكة المبروكة

  1. التنبيهات: التمرد الريادي | مدوّنة سهّاري

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s