Home

قبل عدة أيام جلست استرجع شريط الذكريات في مخيلتي كما أفعل كل عام حين تمر علي ذكرى اتخاذي لواحد من أهم قراراتي، وهو إقامتي في الخارج بداعي الدراسة ثم العمل منذ عام 2002. وفي الحقيقة، أن التجربة هذه بكل ما فيها قد عزّزت لدي أهمية هذا القرار ليس على مستوى الدراسة أو العمل فحسب بل كخبرة حياة متكاملة. وفي هذا العام وجدته مهماً أن أشارككم درساً تعلّمته خلال تجربتي البسيطة هنا في دولة الإمارات..

في هذا الزمن، لم تعد الخبرة المهنية هي كل شيء. فاليوم بات اهتمام أصحاب العمل بل ومتطلبات الحياة العامة بأن يهتم الإنسان بتنمية كل ما يحمل من مهارات بنفسه ولا يركن لجهة العمل أو الجامعة في القيام بهذا الدور..وهذا في الحقيقة ما سأتحدّث عنه في هذه التدوينة لشرح ما أحب تسميته ” المهارات الخاصة” والمعروفة علمياً بـ”Transferable skills”. وبالمناسبة هو درس مستلهم من تجربتي الخاصة في الدراسة والعمل.

ببساطة: أن تدرس شيئاً لا يعني أن تكون مكرساً حياتك له.. وأن تعمل في شركة ما أو في مجال معيّن لا يعني بالضرورة أن تستلم راتبك الأول والتقاعدي منه على مدى سنوات خدمتك الطويلة. وفي هذا السياق، أذكر أن والدي العزيز- حفظه الله- قد اختار أن يبدأ وظيفته قبل ولادتي في مطلع الثمانينيات حتى قراره بالتقاعد هذا العام في نفس جهة العمل، ولا عجب في ذلك مع طبيعة العمل في جيل الآباء. في المقابل، خبرتي في العمل حوالي 7 سنوات فقط، لكنني انتقلت بكل سهولة خلالها بين 3 جهات عمل. والشاهد من ذلك بأن ظروف الزمن لها أحكامها، وديناميكية سوق العمل والفرص المتاحة باتت أوسع وأكثر تنوعاً من ذي قبل.

إن ” المهارات الخاصة” تعني بكل بساطة أن تكون لديك مجموعة من المهارات الرديفة لخبرتك الأساسية، فأن تكون مدرساً مثلاً لا يعني أن تكون لديك مهارة شرح المعلومات وتبسيطها للآخرين فحسب، بل أن يكون لديك قدرة على التحدث أمام الجماهير، وتقييم أداء الناس، وإدارة فرق العمل، والكتابة، والبحث..وغيرها. الآن تأملوا معي منظومة المهارات المذكورة، فهل من الممكن “تحويلها” واستثمارها لخدمة عشرات الوظائف الأخرى؟ فما المانع لو فكّر مدرّس أن لا يقيّد نفسه في وظيفته بل أن يوجد لنفسه فرص أخرى في الحياة بناء على ما لديه من مهارات؟ والتحليل المذكور ينطبق على المدرّس كما ينطبق على المحامي والإعلامي والمهندس ووووو.

من المهم كذلك تحديد منظومة المهارات الخاصة بك وتطويرها باستمرار من خلال الدورات والممارسة والاستشارة مع المختصين والمقرّبين. وتجربتي في ذلك كشفت لي الكثير، فوظيفتي تتطلب أن تكون لي مهارات كتابية معينة، وهو ما وجدته متوفراً في البداية لكنه يحتاج تطوير، وزادني الدافع لتطوير ذلك عملي في شركات ذات غالبية أجنبية في دولة عربية مما أعطاني فرصة تولي مسؤولية التحرير الإعلامي العربي في بدايات مسيرتي المهنية على عكس زملائي ممن يفضّلون الكتابة بالإنجليزية. إن قيامي باختيار هذه المهارة إلى جانب مجموعة مهارات خاصة أخرى، جعلتني آخذ القرار بتطويرها من خلال عدة أمور مثل إنشاء هذه المدونة، والتواصل باللغة العربية عبر وسائل الاتصال المجتمعي منذ فترة دراستي الجامعية، والدخول في دورات ومشاريع لتطويرها، بالإضافة إلى مناقشة مختصين وعرض مواد مكتوبة لمناقشتها مع الآخرين.

واليوم أنا أكثر قناعة وثقة بأني إن لم أكن أعمل في مجال العلاقات العامة فسأعمل في مشروع خاص ينسجم مع مهاراتي الخاصة، أو في مجالات أخرى عدة مثل الصحافة، أو الاستشارات والبحوث، أو التدريب والتأليف، أو التسويق والإعلان، أو العمل في المجال التنموي والخيري، أو السلك الدبلوماسي، أو العمل الميداني والبحثي لمختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية…تبدو مجالات متباعدة وفرص طموحة، صحيح؟ 🙂 .. على العكس من ذلك، بالنسبة لي هي مجالات مرتبطة جداً بمنظومة المهارات الخاصة التي تكوّنت من خبرتي وتجربتي البسيطة في الدراسة والعمل.

في الحقيقة إن الحاجة للمهارات الخاصة يكون أكثر أهمية في حالات دون غيرها، مثل: حديثي التخرج، أو الأمهات المنقطعات عن العمل لفترة طويلة لأسباب تتعلق بالحمل والولادة، أو المتقاعدين الراغبين في خدمة المجتمع في مجالات أخرى. ولكن كل ما سبق لا يعني أن لا يختار شاباً في ريعان شبابه تغيير مساره المهني في مرحلة ما أو دخول معترك ريادة الأعمال من خلال تأسيس عمل حر ضمن نطاق غير مجال عمله وخبرته المهنية.

وكخطوات عملية، فأنصح بالبداية بتحديد قائمة بالمهارات التي تتطلّبها طبيعة العمل المرغوبة في المجال المهني والتطوعي وغيرها، وثانيا من المهم مقارنة المهام الخاصة الحالية مع ما تتطلّبه الوظيفة المرغوبة، ثالثاً يتم تحديد المهارات المطلوب التركيز عليها لتطويرها وتنميتها.
إن مفهوم “المهارات الخاصة” الذي تعلّمته ومارسته خلال فترة الدراسة والعمل بالخارج قد أضاف لي الكثير حين أشارك في مشروع في خارج نطاق العمل..وآمل أن يكون لمعرفة ذلك قيمة في مسيرتك المهنية كذلك..مع خالص التمنيات بالتوفيق، وممتن لتجربتي الثّرية في دولة الإمارات..على أمل أن تحمل السنوات القادمة ما هو أجمل وأمتع!

One thought on “أنت أكبر من وظيفتك!

  1. التنبيهات: الربيع المعلوماتي | مدوّنة سهّاري

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s