Home

حين يحدث خلاف أو نقاش بين فريقين حول مدى صلاحية أي فكرة، يحتكم الطرفان إلى عدد المؤيدين لكل رأي. ونفس الأمر ينسحب على الحكومات والأنظمة السياسية العربية التي وقعت في مواجهة مع شعوبها خلال الفترة الماضية، فقد بات عدد المؤيدين والظاهرين في الساحات والميادين ووسائل الإعلام هم مؤشرات سداد رأي أو دعنا نقل غلبة  أي طرف مقابل الآخر..

وفي هذا المجال يلعب الإعلام دور المؤثر الأكبر في تضخيم وتهوين أي رأي مقابل الآخر كما شهدنا- ومازلنا- في أحداث الربيع العربي من حولنا. وبالتأكيد للجانب السياسي الدور الأكبر لكنه ليس محل عرض ونقاش هنا، وإنما الجانب الإعلامي والتأثير في الرأي العام هو ما يهمني ويستهويني في الموضوع وهو ما أود تناوله في هذه التدوينة.. 

ويتبادر إلى الذهن عدة تساؤلات في خضم هذه الأحداث، مثل: كيف نعرف أي الآراء أصح؟ وهل الظهور الإعلامي أو الخروج في الميادين والساحات للتعبير عن قضية ما يكفي بأن تكون القضية مطلباً شعبياً أو على الأقل أولوية في الوقت الراهن قبل أي شيء آخر؟ وماذا عن الدول التي تُهيمن على وسائل الإعلام ولا تسمح قوانينها بالتعبير العلني عن الآراء، فكيف نعرف رأي الأغلبية فيها؟

وللإجابة على الأسئلة السابقة وغيرها ينبغي بداية تعريف “الرأي العام” وهو الرأي الذي يمثّل توجه الغالبية تجاه قضية معينة في فترة ما (انتبهوا! الأولويات والآراء قابلة للتغيّر بشكل مستمر). وهنا تظهر مسالة في غاية الأهمية ألا وهي أن الآراء والتوجهات قابلة للتبدّل والتغيّر في ظل الضغط الجماهيري أو ظهور حجج تبدو أكثر رسوخاً واقناعا من التي يحملها أي شخص في الوقت الراهن. الشاهد بأن الحكومات وقادة الرأي في أي مجتمع يعملون على توظيف جميع قنواتهم لتبرير أفكارهم وإقناع المجتمع بها، وفي أحيان أخرى تعمل الحكومات مع شعوبها نحو استمالة الرأي العام المحلي والدولي نحو قضية ما مثل جهود دولة الإمارات في إنجاح ملف استضافة الدولة لمعرض اكسبو العالمي 2020، أو مساعي دولة قطر في استضافة كأس العالم 2022.

ومن طرق توظيف الراي العام أن تعمل الحكومات على استخدام الإعلام الرسمي ومؤيديها من كتاب الاعمدة ومقدمي البرامج الإعلامية فضلاً عن حث رجال الدين والقانون والمختصين لعرض وجهات نظرهم المؤيدة لقضية ما في البرامج الحوارية المحلية والعالمية إضافة الى المشاركة في المحافل الدولية للضغط في نفس الاتجاه. كما تعتمد الحكومات عادة على إثارة الغرائز الوطنية والدينية وغيرها لتهيئة الرأي العام لقبول توجهاتها وتقليل المقاومة الفكرية وتأثير الأطراف الأخرى في توجهات المتلقين.

في المقابل، تعمد الجموع الشعبية أحياناً في القضايا المحلية إلى مواجهة هذا الجهد الحكومي من خلال قواعدها الشعبية من المؤيدين وسهولة وصولها للشعوب في مجال معين. واللافت في الموضوع بأن حرية التعبير العلني على الرغم من دورها الهام في دعم عملية التأثير بالرأي العام إلا وأنها ليست مكوناً أساسياً في ذلك الحراك. فالمراقب لحركة الإخوان المسلمين مثلاً- التي تواجه واحدة من أصعب مراحلها حالياً-  يستغرب من قدرتها على الحشد وكسب التأييد من ملايين البشر في مصر وسوريا وتونس وغيرهم من الدول في وقت كانت تلك الدول تحظر وجود هذا التنظيم بشكل رسمي، والسبب يعود إلى جهود عناصرها في خدمة المجتمع وتوفير الاحتياجات خصوصاً في المناطق الريفية أو التي لم تنجح الحكومة في إعارتها الاهتمام الكافي،  مما أنتج عنه ثقة المواطنين بعناصرها أكثر من الجهات الحكومية.

زرت الشهر الماضي معرضاً في العاصمة البريطانية لندن يحمل اسم “البروباغاندا: القوة والإقناع” وهدفه استعراض جهود الدول على مدى القرنين الماضي والحالي في التأثير على الرأي العام. والمُلفت في المعرض، بأن الحكومات حول العالم لم تستخدم الرأي العام في القضايا الوطنية كالتجنيد ومشاركة المرأة في السلك العسكري إبان الحروب العالمية فحسب، بل اتسع نطاق ذلك إلى القضايا الصحية والبيئية والمرورية والاجتماعية وغيرها الكثير. وخلال المعرض شاهدت  كيف كانت الحكومات الأمريكية والبريطانية تحاول كسب تأييد الرأي العام وشعوبها في الحرب على العراق وأفغانستان وغيرها تحت ذريعة “الحرب على الإرهاب”.

ولا يمكن الحديث عن الرأي العام وقنواته من دون الحديث عن طرق قياسه كما تناولنا في الأسئلة السابقة..والإجابة ببساطة بأن الطرق تتباين وتختلف لكن ينبغي القول بأن قياس الر أي العام يحتاج جهود وموارد كافية ومتمكنة على شكل مراصد بحثية لقياس الرأي العام ومعرفة توجهاته وأولوياته، وهي بالمناسبة متواجدة في الوطن العربي بشكل خجول. ولكن من أشهر طرق قياس الرأي العام التي تستخدمها المراصد حول قضية ما هي استطلاعات الرأي العام المستقلة، وهي متداولة في الغرب بشكل كبير، ومن أكثرها انتشارا قياس شعبية وفرص فوز مرشحي الرئاسة الأمريكية. ومن الطرق الأخرى لقياس الرأي العام هو تحليل المحتوى الإعلامي (التقليدي والاجتماعي) من خلال تحليل آراء كتاب الأعمدة في الصحف وقادة الرأي في البرامج الحوارية وتويتر وغيرها، وميزة هذا النوع بأنه عفوي أكثر من سابقه، إلا وأنه قد يتأثر بالتجييش الإعلامي وحظر المواقع الإلكترونية في بعض الدول أو حتى وجود “الرأي العام الخامل” الذي يمثّل من يمتنع عن التصريح العلني برأيه خوفاً أو لا مبالاة في القضية المطروحة.

وختاماً، إن فكرة توظيف الرأي العام ودراسته مسألة حيادية مثلها مثل استخدام وسائل الإعلام أو الإعلان حول أي قضية، ولكن محتوى وأهداف القضية هو ما يحدّد مدى إيجابية أو سلبية هذا التوظيف للرأي العام.  كما أن وعيك كمواطن ومتلقي للإعلام هو طوق نجاتك في اختيار الرأي الأنسب في القضايا التي تهمك، ودعم من يمثّلك فيها.. J

ونقف عند هذه التدوينة، ونلتقيكم بعد الشهر الفضيل بإذن الله كعادتنا السنوية.. بلّغنا الله وإياكم شهر رمضان بصحة وعافية وقبول وغفران..

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s