Home

مشهد متكرّر وأسبابه معروفة: لو كان راتبك ألف..ستنفقه في شهر، ولو كان 100 ألف.. فستنفقه في نفس المدة!

التبريرات: الأسعار مرتفعة، كل المناسبات في وقت واحد (أعراس، رمضان، أعياد، مدارس..إلخ)، مصاريف صيانة أو غرامات غير متوقعة، مصروف لمرة واحدة فقط، كانت فرصة استثمارية من ذهب..وغيرها.

والأدهى، بأن مشاكل الاسكان والتضخم وغلاء المعيشة والمصاريف الطارئة وغيرها ما هي إلا مشاكل قديمة متجدّدة، ولكن زاوية الحل التي أود النظر منها هي طريقة تعاملنا نحن كأفراد مع هذه التحديات الثابتة..فالتعامل معها مهارة تحتاج منا التعامل بمسؤولية ووعي مع مواردنا المالية لا وفق المبدأ الشائع: ” أنفق ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب”!

ذكرت في تدوينات سابقة وأكررها هنا: الإدارة الحكيمة  للموارد المالية الشخصية ليست قضية اقتصادية فحسب بل هي قيمة تربوية واجتماعية في المقام الأول يتعلمها الإنسان في البيت ومحيطه الاجتماعي..وهذه التدوينة تتناول مدى تأثير المجتمع والأهل على حسن إدارة الشخص لأمواله الخاصة.

قد نكون كشعوب خليجية وفق المعايير الاقتصادية شعوباً استهلاكية إلا من رحم الله، أي شعوب تستورد أكثر من ما تُنتج، وتُنفق ببذخ دون وجود رادع ذاتي لضبط هذه السلوكيات، كما أن اقتناءنا للسلع في الغالب هدفه الشراء المدفوع بالرغبة الآنية والوجاهة الاجتماعية أكثر منه تلبيةً لأولويات الحاجة ومستوى الدخل. ويرى البعض بأن ثقافة الادخار لدينا شبه معدومة لأن الإغراءات البنكية لتسويق القروض الشخصية، وتسهيلات الشراء بالأقساط المريحة، أصبحت في متناول الجميع حتى بات من الممكن بهذه الطريقة شراء أرخص الهواتف الذكية والإلكترونيات، مروراً بالسيارات الفارهة ووصولا بشراء بيت العمر.

قد تبدو فكرة الثقافة المالية في ذيل قائمة الأولويات لدى الكثير منا، وقد تكون مهارات إدارة الموارد المالية الشخصية ضرباً من عدم الواقعية في زمن تتشارك فيه الحكومات والبنوك- بقصد أو بغيره-  بتعزيز عادات الإنفاق اللامسؤول من جانب، وضغوط الأهل والأصدقاء لتحقيق الرغبات الشخصية وتأدية المجاملات الاجتماعية من جانب آخر.

إن إدارة الموارد المالية بشكل مسؤول، وبناء الثقافة المالية الشخصية قضية نعاني منها على مستوى الخليج وقد يعاني أبناءنا من تَبِعات ذلك،  ولنا دائماً مبرّرات في تأييد الأسباب أو رفضها، ولكن في المقابل ينبغي اليقين بأن التغيير ممكن، وتحضرني في هذا السياق تجربة شعب “الآميش” الأمريكي..فهل سمعتم عنه؟

في صيف 2012 قررت زيارة بعض المدن والمزارع المأهولة والمملوكة لـ”الآميش” كنوع من الفضول! خصوصاً حين سمعت بأنهم شعب لا يؤمن بالتكنولوجيا ولا بأي شئ يمت بمظاهر الحياة الحديثة بصلة! فهم إلى اليوم يعيشون بلا كهرباء ولا سيارات ولا بنوك ولاانترنت، وحتى الأكل لا بد أن يكون من حصادهم وضمن معاييرهم الصارمة في الأكل العضوي والصحي.

المهم لأسباب متعلقة بالمواصلات لم أوفّق بالوصول، لكني حصلت في النهاية على مجموعة من منتجاتهم الزارعية اللذيذة، كما اشتريت كتاباً يتناول أسرار نجاحهم مالياً لصحفية قررت العيش بينهم لفترة فألفت هذا الكتاب:

amish book

وقد خرجت المؤلفة بـ 14 درساً يمارسها “الآميش” في حياتهم اليومية للحفاظ على مواردهم المالية الشخصية وتنميتها بعيداً عن تعقيدات الأنظمة البنكية أو المساعدات الحكومية، وسأتناولها هنا باختصار:

  1. نظرة الآميش للقيم المادية والوجاهة الاجتماعية مغايرة تماماً عن المجتمعات الأخرى، فهي تعتمد على العطاء والمشاركة والاستفادة بأكبر شكل ممكن من الممتلكات المتوفرة لصالح البيت والمجتمع، على عكس نظرة المجتمعات الأخرى التي تبني مفهوم الثروة على القدرة الشرائية ومستوى تضخم الممتلكات الفردية
  2. تعلّم تحقيق أكبر قدر من الفائدة من ما هو متاح من حيث عدد مرات الاستخدام أو المدة الزمنية للاستهلاك، مع إمكانية العيش من دونه إن دعت الحاجة
  3. تعليم الأطفال على التأني من خلال تأجيل المتع والرغبات اللحظية للحصول على مكافأة أكبر مستقبلاً تحت شعار :”لا تأكل قطعة واحدة من الحلوى الآن لتحصل على قطعتين لاحقاُ”
  4. تسديد الفواتير والمستحقات المالية في وقتها قدر المستطاع
  5. الهدية تعبير رمزي يُنظر لها بقيمتها المعنوية وليس المادية
  6. فن الإدخار والتوفير..قيمة أصيلة ونمط حياة
  7. تعويد الأطفال على البساطة وفن الاستمتاع بما لديهم، عوضاً عن اللهث وراء الجديد
  8. تعلّم فن إعادة توظيف الأشياء المتاحة لأغراض أخرى، وإعادة التدوير، وإعادة استخدام الأشياء المهملة
  9. تجنب القروض والديون تحت شعار: “شراء ما لا يمكنك سداد تكاليفه، كاعتناءك بحصان ميت”
  10. شراء الأشياء المستعملة ليس عيباً، ولكن نوع الحاجة هو ما يحدّد ذلك
  11. يعتمد الآميش على شراء حاجاتهم المتكررة من خلال الشراء بالجملة للاستفادة من الخصومات الممنوحة، فقد يقوم رب الأسرة بشراء علف الماشية لحي كامل ومن ثم تقسيم التكلفة بينهم
  12. الطعام شئ مقدّس ولا إسراف فيه، لأنه من حصاد أيديهم، ولأنهم كثيري الحركة
  13. المقايضة، مثل: استبدال بقرة بمجموعة من السجادات
  14. في الختام وهي الأهم، أفضل الأشياء في الحياة هي أشياء مجانية..لأنها أشياء لا يمكن أن تُشترى بالمال!

قد يبدو كثير مما سبق غير ملائم بالطبع لنمط حياتنا،  ولكن الشاهد منها هو قدرة شعب يعيش في كنف واحد من أعظم الاقتصادات الرأسمالية في العالم على خلق نظام متكامل لإدارة الموارد المالية..فهل ما زلت ترى نفسك ولو على صعيد أسرتك عاجز عن بناء نظام يلائمك ويحقق أهدافك المالية بعيداً عن ضغوطات المجتمع؟

One thought on “الثقافة المالية في المجتمعات الاستهلاكية

  1. التنبيهات: مستقبل الثقافة المالية في الخليج | مدوّنة سهّاري

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s