Home

يراودني دائماً تساؤل حول علاقة ذكاء أي شخص وعمقه الفكري مع درجة تعقيد ما يكتب أو يتحدّث به..أي بمعنى آخر هل من المطلوب على كل شخص ذكي ومثقف وذو فكر راقي أن تكون كتاباته معقّدة وكلامه لا يخلو من التراكيب اللغوية الرناّنة؟

في الحقيقة إن ما أثار هذه الفكرة في ذهني هو رؤية كتب كبار المؤلفين القدامى ممن تقع مؤلفاتهم في عشرات المجلدات مع عناوينها الشهيرة ذات الرتم الموسيقي..حتى إن رأيت أحدهم كتب كتاباً لا يتجاوز بضع المئات من الصفحات إلا وسُمّي بـالـ “كتيب” تصغيراً!

تحضرني في هذا السياق قصة كتاب شهير لإبن القيم والذي كان إجابة لسؤال واحد فقط لشاب يقول فيه: ما قول السادة العلماء في رجل ابتلى ببلية وعلم أنها إن استمرت به أفسدت دنياه وآخرته و قد اجتهد في دفعها عن نفسه فلم يزداد إلا توقداً و شدة، فما الحيلة في دفعها ؟ وما الطريق إلى كشفها ؟ فرحم الله من أعان مبتلى..فجاءه بعدها رد ابن القيم رحمه الله بكتاب كامل تحت عنوان “الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي” يقع في ما يقارب الـ 350 صفحة !

إن هذا الإرث الفكري والمعرفي الذي أبقاه لنا علماؤنا هو بلا شك ثروة لا تقدّر بثمن، وقد كانت بلا شك حديث الناس ومحل اهتمامهم في ذلك الحين. لكن اليوم في عصرنا الحالي ومع تطور التكنولوجيا وثورة العلوم وتشعّبها، أصبحنا بحاجة لفن “التبسيط” أكثر من أي شئ آخر. والشاهد هنا بأن الفكرة مفادها أن العمق في البساطة وليس في الإطالة والإسهاب كما هو متعارف عليه..كما أن تبسيط الأفكا ر والكلمات مهمة صعبة لا يُتقنها الجميع، لذلك فالتبسيط مهمة عظيمة حملها الأنبياء ومن بعدهم المعلمين.

للدكتور صلاح الراشد عبارة جميلة يقول بما معناها “هناك فرق بين فن التهوين وفن التهويل” والمقصد بأن الأولى تقوم على فن تبسيط الأمور المعقّدة وتفكيك أجزاءها المتشابكة، في حين بأن الفن الثاني (أي التهويل) فهو فن التضخيم للمشاكل الصغيرة وتحويلها لمصائب أو الأحكام الدينية والفقهية إلى مسائل عصية على الفهم! إن البساطة وفن التبسيط في الملبس والحديث ليس سطحية من صاحبها بل هي على العكس من ذلك هي فن ينبغي إتقانه، مثلها مثل التواضع الذي يعكس ثقة الشخص بما عنده دون إذلال لذاته.

وتحضرني أمثلة كثيرة وراقية لأشخاص أتقنوا العيش في كنف البساطة رغم عمقهم مثل الدكتور الفلكي صالح العجيري، والدكتور صلاح الراشد، وروبن شارما، والشيخ محمد متولي الشعراوي وغيرهم الكثير.. وعلى ذكر البسطاء، لاحظوا كيف يشرح الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله الدروس الدينية لجمهوره في المناطق الريفية المصرية، حتى يفهم عمق دروسه من كان منهم أُمياً.. إنه أسلوب ملئ بالبساطة والعمق في ذات الوقت لكن لا يمكن أن يُوصف بالسطحية وهذا هو المعنى العميق للبساطة:

إن تطبيق مفهوم البساطة كذلك مرتبط بعالم التكنولوجيا والاختراعات، فمنتجات شركة “أبل” مثلاً شديدة التعقيد في هندستها وتصنيعها، لكنها شديدة السهولة والبساطة لمستخدميها، ولذلك نراها في متناول الأطفال مروروا بجمهورها العريض من الشباب ووصولاً لفئة كبار السن! ويعجبني كذلك الشعار الترويجي لشركة LG وهو “لحياة أفضل” أو “Life’s Good” للدلالة على بساطة منتجاتها وجعلها للحياة أسهل وأجمل!

One thought on “فن التبسيط

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s