Home

تعارف كثير من الناس على ربط الثقافة بين دفات الكتب ورفوف المكتبات..وهذا صحيح إلى حد ما، ولكنه تحجيم وتقليل لدورها وتعريفها الأشمل. فالثقافة تشمل كل ما يعكس نمط العيش السائد، والثقافة تنعكس على سلوك الانسان وأخلاقه، كما أن الثقافة مرتبطة بشكل وثيق بالمخزون الفكري والسلوكي والاجتماعي والتاريخي للإنسان والمنظمات كذلك..أليس هناك مصطلحاً متداولاً في الأوساط المهنية بأن ثقافة الشركة منفتحة مثلاً؟ أو أن الدولة الفلانية تشجّع على تبادل الحوار واحترام الثقافات الأخرى لنظيراتها؟

 إن معطيات الزمن المتسارع والعولمة قد أعادت تقديم مفهوم الثقافة حتى تداخلت في طريقة عرضها مع السياسة!

إن الثقافة قد وظّفت لخدمة الحكومات في تحقيق أهدافها السياسية، وباتت أداة لا يستهان بها في منظومة “القوة الناعمة” للدول . كما أن العولمة قد أنتجت تحديات عدة لا يمكن مجابهتها على صعيد واحد، ومن هذه التحديات الأزمة المالية أو تداعيات الربيع العربي أو التغير المناخي وغيرها، فجميع هذه التحديات تحتاج تواصلاً على عدة أصعدة إلى جانب الدور الدبلوماسي والسياسي الهام الذي تقوم به الحكومات. ومن المفاهيم التي برزت في هذا المجال هو مفهوم “الدبلوماسية الثقافية” والذي يقصد به الجهود التي تنفذها الدول/ الشركات/ المجتمع المدني على الصعيد الدولي للترويج لثقافتها وتعزيز الحوار المتبادل خارج دهاليز السياسة. وتكمن قوة هذا النوع من التواصل بكونه يصل إلى الشعوب بشكل مباشر على عكس جهود الدبلوماسية العامة التي تعتمد على علاقة الحكومات والدول ببعضها وفقاً لأعراف بروتوكولية متعارف عليها في هذا المجال. كما تعتبر الدبلوماسية الثقافية سلسلة الجهود التي يتم فيها ترويج وتبادل القيم والعادات والحوار والأديان والفنون واللغات وجميع مكونات الثقافة لأي دولة مع دولة أخرى، ويكون المستهدف منها عادة الشعوب بالمقام الأول.

ومن أشكال الدبلوماسية الثقافية، على سبيل المثال برامج التبادل المعرفي والأكاديمي، أو فرض اللغة الرسمية في التواصل مع السياح وتشجيع انتشارها عبر مراكز تعليم اللغات، ودعم الفنون المسرحية والدرامية، وغيرها الكثير من الأمور. ويرى طرف آخر بأن هذه الجهود الدبلوماسية ينبغي تصنيفها تحت مظلة “العلاقات العامة”  للدول، أي أنها أدوات للترويج والتواصل مع الشعوب الأخرى لتعزيز صورة أي دولة في مجال معين، أما الهدف السياسي فهو هدف ينبغي إبعاده عن هذه الجهود أو على الأقل أن يكون هدفاً فرعياً.

وفي المقابل، تعتبر بعض الدول أن عليها مجابهة جهود الدبلوماسية الثقافية القادمة من دول أخرى، فتجدها تكثّف من جهود حماية الثقافة  المحلية من ما يسمى بالغزو الفكري والثقافي  أو باتخاذ منهج أكثر اتزاناً يعتمد على مبادرات تعزيز ممارسات ومكونات الهوية الوطنية. ويحضرني حالياً فكرة إنشاء المجلس البريطاني الثقافي الذي يعمل منذ 75 عاماً على الترويج لثقافة المملكة المتحدة، أو مسلسل “حريم السلطان” التركي والذي حقق مشاهدات عالية في الوطن العربي وصلت إلى 200 مليون مشاهد إلى جانب عرضه في 46 دولة حول العالم!

وفي حين أن بعض الدول تمارس الدبلوماسية الثقافية تحت غطاء سياسي غير مُعلن إلا أنه في المقابل تظهر جهود دول أخرى في عرض جهودها بشفافية وتوضيح ارتباطها الرسمي واتساقه مع جهودها الدبلوماسية الأخرى. ومن التجارب الدولية المعلنة تجربة وزارة الخارجية الفرنسية في عرض مبادراتها بعدة لغات في موقعها الرسمي تحت بند الدبلوماسية الثقافية.

 

ومن ما يميّز الدبلوماسية الثقافية أنها قد تزيل الخلافات والتشنّجات التي تخلّفها العلاقات السياسية بأسلوب سلس وراقي. كما أن الثقافة تعتبر لغة عالمية مثلها مثل الرياضة والموسيقى والفنون الجميلة وغيرها من أصناف الفنون تحظى بإعجاب الناس وإن لم يدركوا معانيها الحرفية. في المقابل هناك أمور قد تحد من انتشار وتأثير الدبلوماسية الثقافية مثل صعوبة اللغة، وهذا التحدي بالمناسبة من أبرز ما يحد من تأثير الثقافة الصينية التي يرجع عمق وتاريخ حضارتها لآلاف السنين لكنها لم تستطع مع ذلك منافسة الأوربية والأمريكية مثلاً.

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s