Home

استوقفني قراره، فقررت الوقوف معه!

بيد أن وقوفه ليس كوقوفي..هو أراد أن يترجل بعد رحلة عمرها 32 عاماً من العطاء..وأنا قرّرت التوقف في فكري ومشاعري لأشاركه هذه اللحظة الفريدة..

إنه أبي يا أحبة..

استوقفني قراره وهو يطوي مسيرة حياته المهنية..مسيرة قضاها على الطراز الأصيل..مسيرة تحمل حس الوفاء لمؤسسة قضى فيها من عمره منذ تسلم شهادة الجامعة وحتى تسلم شهادة نهاية خدمة العمل! إنها مسيرة طويلة تحمل في
طياتها معنى الولاء منذ ذلك الحين بين نفس الزملاء ونفس المكان ونفس الروح..

منذ فتحت عيناي على الدنيا وحتى تربيت وكبرت وتزوجت وتعلمت وهو يقضي حياته في هذه المهنة الكريمة..وهو قرر الآن الإنطلاق منها نحو حياة جديدة لما بعد التقاعد..حياة عوانها التجديد والعطاء بطريقة مختلفة..

وقوفي في التفكر معه لهذا اليوم، دافعه تكريم هذا الإنسان الغالي على نفسي..كما ارتأيتها رسالة أبوح فيها لمن يهمه أمر والده ليقف معه وقفات تكريمية مختلفة إن لم يكن قد فعلها من قبل..

لسبب ما شعرت لوهلة أنه قد تصل فينا القسوة أن لا نتذكر أفضال والدينا إلا في
المرض أو لا قدر الله الرثاء في الموت! والمحظوظ منا من تفضّل في عيد
الأم بتقديم هدية يظن أنه بها قد سدّد فاتورة البر!

لا أعرف أهي عادة أم غفلة نمر بها، فلا نكاد نحصي المناسبات التي نقف فيها عرفاناً لمن أفنوا حياتهم لنا؟

لِم لا “نختلق” المناسبات السعيدة لهم إن لم نجدها؟ هم سعداء بنا ونحن من حولهم بلا شك، ولكن نفوسنا كذلك تحتاج أن “تتكّلّف” و”تجتهد” في إبداع طرق إكرامهم كلما مضت فينا الحياة معهم حتى لا يخبو بريق الشعور بعظم مكانتهم..

نكتفي-أحياناً- نحن الأبناء بمعرفة أن غاية سعادتهم في راحتنا، ونتغافل بذلك أو ننسى بعض مناسباتهم
الغالية..فكيف شاركناهم فرحة “عيد زواجهم” الذي بسببه ظهرنا على أرض
الحياة؟ أو دعني أذكر نفسي قبلك عن ترقياتهم الوظيفية؟ أو عن تأسيسهم
لمشاريع تجارية أو إصدار لمؤلفات ثقافية؟ أو أو أو …

في كل مرحلة من مراحل حياتك تجد والديك في قرب دائم منك، فأنت تكبر بعمرك، وفي محبتك في قلوبهم!

وأحياناً هم “يختلقوا” المناسبات ليجدوا ذريعة لتكريمك والتعبير عن حبك بغير ما عتادوا على مزاولته يومياً! فمنذ يوم ولادتك ومروراً باليوم الذي تبدأ خُطى المشي فيه وحتى تمضي حياتك في النجاح الدراسي والمراهقة والعمل ووو..سترى احتفاءهم بهذه المناسبات وتوثيقها أكبر من حرصك عليها!

أستذكر لوالدي الغالي وأنا أشاركه مناسبة التقاعد بعض المشاهد البسيطة في طبيعتها والعميقة في تأثيرها على نفسي..هي عبارات ومواقف تعكس جزءاً لا يذكر من عظيم فضله الدائم علي:

  • في تجسيد حقيقي لمعنى الدعم المعنوي، أذكر أنه ووالدتي كانا يشركاني كل صيف في المراكز الشبابية منذ أن كنت في التاسعة من عمري تقريباً، وحين انتبه لاهتمامي بالحرف اليدوية كالنجارة والكهرباء وغيرها، كان يأخذني بنفسه للمناطق الصناعية لأشتري وأتعرف عن قرب على أهل الحرفة، وأصنع بعدها لهم طاولات خشبية وأصلح أجهزة
    المنزل..

  • حين كنت صغيراً وبعدها مراهقاً، منعني من الالتحاق في أي مجموعة شبابية ذات صبغة دينية حزبية لسبب لم أعرفه إلا بعد حين..

  • تخصص في الأدب حين كان في مرحلة الثانوية، ولكنه بضغوط أصدقاءه طلب التحويل للتخصص العلمي بعدما فعل والده المستحيل لذلك..وحين كاد يتكرر الموقف معي، أرشدني حينها بأن أختار ما أريده أنا لا غيري..وهو ما غيّر وجهة حياتي الأكاديمية والمهنية إلى اليوم..

  • لم تكن علاقته أو حبه لي مشروطاً بأدائي المدرسي، فلم يسألني قط عن درجاتي أو معدلي الدراسي منذ أن كنت طالباً في المدرسة حتى ابتعثني للدراسة في الخارج..

رسالة الوالد

  • ثقته كانت ومازالت مسؤولية على عاتقي، فحين قررت السفر لم يسأل كيف أقضي وقتي بل كان حريصا أن يعرف
    إن كان قد أدى واجبه تجاهي بالتربية الحقة.. لأنها برأيه المناعة الذاتية التي من الواجب غرسها لحصد ثمارها..

  • حين شاورته العمل في القطاع الحكومي مثله، بادرني بأنه “مقبرة للطموح”! وعلي طرق أبواب القطاع الخاص لأنه
    ببساطة يريدني أفضل منه..

  • مع بداية حياتي الوظيفية توقعت أني سأكون أكثر استقلالاً خصوصاً من الناحية المادية..إلا وأنه كان يحملني بنفسه بعد إصابتي بحادث، وكانت مشاركاته المشهودة لصالحي في كل قرار اتخذته بعدها، كشراء أول سيارة أو تأسيس مشروع تجاري وووو…..

  • يردّد لي دائماً بأنه لا يريد أن يكون قدوة لي..فكل أب يريد ابنه أفضل منه!

ببساطة، رأيته منه ما لا يكفي المقام لسرده، واليوم هو قد قرّر أن تنحو حياته منحى جديداً، نحو بداية عنوانها العطاء للمجتمع
والأهل من خلال ما كسب من خبرة في هذه الحياة..

وهذه دعوة أن تذكروا آباءكم في كل مناسبة، اذكروا أفضالهم عليكم بدعائكم وتعليمكم وأخلاقكم ومجالسكم ..وأكرموهم بما يستحقون
أحياءً كانوا أم في رحمة الله.

بارك الله لك يا والدي الحبيب بما عزمت عليه، وأسعدكم الله بصحبة والديكم وأدامها في الدنيا والآخرة..

20130316-001700.jpg

6 thoughts on “معك يا أبي مع التحية!

  1. التنبيهات: مرت سنة.. | مدوّنة سهّاري

  2. التنبيهات: أنت أكبر من وظيفتك! | مدوّنة سهّاري

  3. مقال رائع ويمس شغاف القلب، خاصة قلب شخص اقترب والده من التقاعد مثلي. كنت أفكر بكتابة مقال مشابه لكنك لم تترك لي الكثير لأضيفه. أسأل الله التوفيق لأبو سعد في مشواره بعد التقاعد والعقبى لوالدي أبو أسامة.

    جابر

    إعجاب

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s