Home

أزور الإمارات منذ منتصف التسعينيات حتى استقررت فيها بعدها بفترة..ومنذ ذلك الحين، فإن أكثر ما يتردد على مسامعي الجملة الآتية:” كويتي يعمل خارج بلده! الكويت كانت وكانت..”. ويضيف لهذه العبارة الأخوة الإماراتيين مشاهد عن ريادة دولة الكويت في الماضي في توفير فرص العمل وخدمات التعليم والصحة لأبناءها وللدول المجاورة منذ خمسينيات القرن الماضي تقريباً، ويستذكرون بكل وفاء ما شاهدوه أو ما نقله لهم آباءهم عن علاقة هذين البلدين المتينة التي تجاوزت الأعراف السياسية التقليدية.

الحوارات المتكررة في هذا السياق جعلتني أتتبع تلك العلاقة التي يشير لها هذا الشعب الوفي. ولا أكشف سراً إن قلت بأن الذكريات والوقائع السابقة- والتي لم أشهد كثير منها مع أبناء جيلي- ما كانت لتصلنا لولا وفاء ذاكرة من سبقونا وعايشوها..ومن هنا أود الوقوف اليوم لأستذكر بعض المشاهد الخالدة بمناسبة احتفالات دولة الكويت خلال الفترة 25-26 فبراير الجاري بالعيد الوطني الـ52 ويوم التحرير الـ22.

شهدت علاقة الكويت والإمارات في فترات متفرقة من الزمن مواقف نادرة الحدوث بين بلدين لا تربطهما حدود جغرافية أو كيان اقليمي في ما مضى. ومن الصعب كذلك أن تجد تفسيراً لعمق الروابط في سياق نظرة العلاقات الدولية الضيّقة للمصالح المتبادلة..لذلك أراه لزاماً أن نقف عند هذه العلاقة المتميزة عرفاناً ووفاءً كلما أردنا الاحتفال بأعيادنا الوطنية.

رجوعاً إلى زمن ما قبل تأسيس الاتحاد وقبل استقلال دولة الكويت أي قبل أن يكون هناك كيان ذو سيادة لكلا الدولتين..حكى لي زملاء عمل أنهم عرفوا الكويت أكثر من غيرها خلال فترة دراستهم في المرحلة الابتدائية. ويرجع ذلك إلى أنه حين كان أميرنا الحالي الشيخ صباح الاحمد يعمل جنباً إلى جنب مع قيادة دولة الإمارات من خلال ترؤسه للجنة الدائمة لمساعدات الخليج العربي، كانت ثمرات التعاون في تقديم الخدمات الاجتماعية والتنموية تصل للجميع. وقد أثمرت هذه الجهود المباركة حتى عام 1969، بتجهيز حوالي 43 مدرسة يعمل فيها ما يقرب من 850 مدرساً وفق منهاج تعليمي نظامي، فضلاً عن تقديم الوجبات الغذائية اليومية للطلبة. وبالنسبة لي شخصياً، فإن من أجمل ذكريات هذا الزمن الجميل- الذي لم أحظ بمعايشته- هو أسماء من نذروا أنفسهم في سبيل نشر رسالة التعليم النبيلة. ومن تلك الأسماء الخالدة التاجر الكويتي مرشد العصيمي الذي سُمي “سوق مرشد” بالمناسبة بإسمه،  والذي تم تعيينه في ذلك الحين ممثلاً للحكومة الكويتية في مجال التعليم بدبي.

وعلى ذكر التعليم، كنت أرى مشاعر الوفاء تتجسّد بأسماء المدارس والشوارع والمستشفيات خلال فترة دراستي بإمارة الشارقة ولا غرابة في ذلك حين نعلم أن صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة والشيخ حشر بن مكتوم، إضافةً إلى الأخوين تريم وعبدالله عمران، وعبيد بن صندل وغيرهم كانوا ممن درس وعاش لفترة من الزمن بين اخوتهم في الكويت، بل وكانوا ضمن خريجي أول ثانوية نظامية في الكويت وهي ثانوية الشويخ (تأسست عام 1954).

ومما يُثلج الصدر، ما ذَكرَته لي إحدى المواطنات الكويتيات بأنها شهدت قيام بعض مدارس الإمارات برفع علم الكويت والنشيد الوطني الكويتي خلال فترة الغزو العراقي كنوع من الوفاء والدعم النفسي للطلبة، ولجعلهم يشعرون أنهم مازالو في بلدهم الكويت!

وعلى الصعيد الإعلامي، أتابع القنوات التلفزيونية والصحف اليومية من منطلق اهتمام شخصي ومهني، ووجدت بأن هذا المجال لم يكن استثناءً في عمق العلاقة بطبيعة الحال، فقد قام تلفزيون دولة الكويت بإنشاء محطة تلفزيونية في دبي عام 1969. وفي نفس السياق الإعلامي بين البلدين، ينشر هذا المقال في صحيفة الخليج العريقة التي اختار مؤسساها-الأخوين تريم وعبدالله عمران- دولة الكويت لطباعة صحيفتهم الوليدة وشحنها للإمارات عام 1970.

أما سياسياً، فقد أكد أميرنا الحالي الشيخ صباح الأحمد في أكثر من مناسبة قبل تأسيس الاتحاد، على اهتمام دولة الكويت، وتشرّفه شخصياً بدافع الواجب بلقاء حكام الإمارات والثناء على مساعيهم في تجسيد حلم الاتحاد على أرض الواقع. كما لا يخفى على أحد بأن فكرة تأسيس مجلس التعاون الخليجي قد بزغت من قادة دولتي الكويت والإمارات عام 1976، وذلك رغبةً منهما في تأسيس كيان خليجي وحدوي يهدف لتحقيق التعاون في مختلف المجالات.

ومؤخراً، قامت دولة الكويت بتكريم رجل الأعمال الإماراتي جمعة الماجد لجهوده الانسانية في استضافة عدد من الأسر الكويتية خلال فترة الغزو العراقي عام 1990، إضافة لدوره في تأسيس لجنة الإخاء الإماراتية- الكويتية التي أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بتشكيلها لاستقبال الأسر الكويتية في مطار دبي الدولي بهدف توفير سكن لهم في المدارس الخيرية القريبة من المطار ريثما تُوفّر لهم شققاً وفنادق مناسبة في مختلف إمارات الدولة.

ومما أسعد بذكره بأني قضيت أكثر من ٧ سنوات مجاوراً لمعسكر الفلاح في الشارقة لأحظى يومياً برؤية ضباط وأفراد الجيش الإماراتي البواسل. وما يسعدني ويغمرني الود بذكره حول ذلك هو أن أول مشاركة عسكرية للقوات الإماراتية لم تكن لمواجهة عدو يتربص ببلدهم، وإنما كانت في حرب تحرير دولة الكويت عام 1991. ولا يسعني ونحتفل في هذه الأيام بالذكرى الـ22 على التحرير إلا التقدم بمشاعر مليئة بالود والعرفان لمن أفنوا حياتهم في سبيل إرجاع الكويت لأهلها.

وأختم مقالي ببعض الأبيات لقصيدة تحمل في معانيها من أجمل ما سمعت في هذه العلاقة المميزة، وهي قصيدة فيّاضة بالمشاعر للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وأتوق جداً لمعرفة المناسبة التي ألقيت فيها:

أحب الكويت حب العاشق الولهان

قلبي المولّع هواها من صغر سني

وأحب الكويت حب الشاعر الفنان

فيها المعاني أغاني صاغها فني

جابر بناها وعلا صباح البنيان

مكرم رجاله بلا ضم ولا من

بالعزة والجود والإحسان والإيمان

وعلى شرف الكرامة ماخطى ظني…

كل عام والكويت وأهلها بكل خير بمناسبة الاحتفالات الوطنية، وأدام الله المحبة والوفاء لأهل الإمارات..

تم نشر المقال باللغتين، ويمكن قراءته عبر الروابط الآتية:

One thought on “الإمارات والكويت..علاقة أكبر من السياسة

  1. التنبيهات: لنفهم بعض! | مدوّنة سهّاري

شكراً للإضافة والتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s